1(١٥٣٤-١٥٣٨)رحلات يواكيم الغزّي السنوية من غزة إلى سيناء
قبل بضع سنوات، نشرتُ دراسة عن كاهن كان يقطع المسافة من غزة إلى سيناء كل صيف في القرن السادس عشر.2 وفي هذه التدوينة، أعود إلى تلك الدراسة وأقوم بتلخيص القصة بالإضافة إلى مشاركة بعض الاكتشافات الإضافية التي توصلت إليها بشأن هذا المسافر، يواكيم الغزّي
تبدأ القصة بشخص آخر هو جرجس بن سالم بن موسى، الذي زار دير سانت كاترين بسيناء سنة ۱٥٣١م. وكما فعل كثير من زوار الدير، ترك جرجس بعض الملاحظات على هوامش المخطوطات. ومن بينها تقييد تملّك في مخطوط يبدو أنه أحضره معه إلى سيناء، وصلوات يطلب فيها المغفرة عن خطاياه، فضلًا عن ملاحظات قراءة سجّل فيها أنه قرأ هذا المخطوط أو ذاك
لكن ما يجعل جرجس مثيرًا للاهتمام على نحو خاص هو الطريقة التي عرّف بها نفسه. فعادةً ما كان الزوار يذكرون موطنهم الأصلي ومحل إقامتهم الحالي، وأحيانًا انتماءهم الديني. أما جرجس، فقد عرّف نفسه بأنه “ابن أخ” الخوري يواكيم الغزّي. وفي جميع ملاحظاته، حرص على ربط نفسه بهذا العمّ الذي لا نعرف عنه إلا القليل، وكان يذكر اسمه باعتزاز واضح، كما لو أن كل قارئ لا بد أن يعرفه

مخطوط سيناء عربي ٨۰ ،ورقة ۱٩٣ورقة ظهر: صلاة من جرجس ابن سالم يعرف فيها نفسه بأنه “ابن اخ” الخوري يواكيم الغزي. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين
© 2026 by St Catherine’s Monastery at Mt Sinai.
وبعد بضع سنوات، وتحديدًا سنة ١٥٣٤م، ظهر هذا العم، يواكيم الغزّي، بنفسه في الدير، وترك ملاحظة على هامش مخطوط عربي آخر. للوهلة الأولى، يبدو من غير المرجّح أن يكون يواكيم هوعمّ جرجس من الناحية البيولوجية، نظرًا إلى الاختلاف الكبير بين اسميهما. ربما كانا اقارب من درجة بعيدة. ومع ذلك، يبدو أن يوكيم كان شخصيةً يحرص الآخرون على الانتساب إليها، ويفتخرون بذكرها. ومن المحتمل أيضًا ألا تكون بين جرجس ويواكيم أي صلة قرابة فعلية. وقد نجد ما يدعم هذا الاحتمال في وصف جرجس لنفسه بأنه “المعروف بابن أخ الخوري يواكيم الغزّي”؛ إذ قد تشير عبارة “المعروف بـ” أحيانًا إلى لقب أو صلة انتساب مفترضة، لا إلى علاقة عائلية حقيقية
وعلى مدى السنوات الخمس التالية، وحتى سنة ١٥٣٨م، تقدم لنا الملاحظات الهامشية التي تركها يواكيم الغزّي في مجموعة المخطوطات العربية بدير سيناء سجلًا لافتًا بانتظامه لزياراته السنوية إلى الدير، ثم إقامته الدائمة فيه في نهاية المطاف. وتُظهر هذه الملاحظات أنه كان يزور الدير كل صيف، خلال شهري يوليو وأغسطس، في الفترة الممتدة من سنة ١٥٣٤ إلى سنة ١٥٣٨م
تتناول المخطوطات التي دوّن فيها يواكيم ملاحظاته طيفًا واسعًا من الموضوعات. وهي توحي بأنه كان يقضي وقتًا طويلًا في الصلاة بكنيسة الدير وقراءة النصوص الدينية. ومن بين هذه المخطوطات كتب المنولوجيون، وهي كتب طقسية تضم سير القديسين والعظات المخصصة لكل يوم من أيام السنة. ولا شك أن مثل هذا الكتاب كان اختيارًا مناسبًا لزائر يقصد سيناء ويرغب في تكريس وقته للأنشطة الروحية، كأن يقرأ كل يوم سيرة قديس أو اثنين. كما استخدم كتب القراءات الكتابية من الاناجيل والرسائل والأنبياء، والسنكسارات، والكتاب المقدس مع التفاسير، فضلًا عن مجموعات العظات. وهكذا يبدو أن يواكيم كان يقضي فترات طويلة داخل الكنيسة خلال زياراته السنوية، يتصفح مجموعة المخطوطات الضخمة التي يضمها الدير، ويسجّل ملاحظاته على هوامش كتبها
وتكتسب ملاحظات يواكيم المطوّلة أهمية خاصة من حيث مضمونها، ولا سيما تلك التي كتبها بين عامي ١٥٣٤ و١٥٣٦م. فهي تمثل المرحلة الأولى من زياراته، حين كان يورد معلومات مستفيضة عن نفسه وأصوله وأسرته، معربًا عن اعتزاز واضح بكل ذلك. وفيما يلي أحد الأمثلة، وهو أقدم تقييد دوّنه (سيناء، المخطوط العربي ٤۰٩، ورقة ٢۰١ وجه)
طالع في هده الكتاب المبارك العبد الخاطي المسكين الكتير السيات القليل
الحسنات الطالب من السيد ايسوع المسيح غفران خطاياه وارشاده الى الطريق
الصحيح. اخطا الناس في الخليقه واتمهم بالحقيقه. الدي لم يستحق ان يدكر اسمه
في هده الكتاب المقدس من كترت خطاياه واتامه يواكيم باسم خوري الغزي ابن
المرحوم يعقوب، عرف بالحصان ، ابن المرحوم اسحاق الخياط الشوبكي الجنس الملكي
المدهب. خال صقر ابن المرحوم سلمان الضاني اي من بلد ضانه وكاتبه الخوري
يواكيم الغزي وهو يوم تاريخه في الدير المقدس طور سينا، الله تعالى يميته فيه
ويكون له رزق في الكمتينيرالمقدس امين. وهو يسال كلمن قرا هده الاصطر الحقيره ان
يطلب له الغفران من السيد ايسوع المسيح يكون له نظير دلك من الواعد
الصادق في يوم الدين والوقوف عن دات اليمين يوم الموقف المخوف والجواب
عن الاعمال الصالحه والطالحه ويجعل لنا حض ونصيب في التدفي في حضن ابونا ابراهىم
امين. بشفاعت ستنا السيده العدرى الطاهره الزكيه وماري موسى كليم القدرت الازليه
والقديسه العظيمه الست كاترينا الشهيده وجميع القدسين الدين ارضو الله
تعالى باعمالهم الصالحه المرضيه لله سبحانه وتعالى امين. ودلك بتاريخ نهار الاتنين
المبارك عشرين يوم مضت من شهر تموز المبارك يوم عيد القديس النبي
العظيم ماري ايلياس الحي الغيور سنت سبعت الاف واثنين واربعين
لابينا ادم عليه السلام والسبح لله دايما ابدا وعلينا رحمته للابد الابدين امين
وهذه هي الصيغة الأطول التي استخدمها يواكيم في ملاحظاته. وقد تكررت، مع اختلافات طفيفة، في المخطوطات الستة عشر التي تنتمي إلى المرحلة الأولى (١٥٣٤–١٥٣٦م). ومثل غيره من القرّاء الذين تركوا ملاحظات على هوامش المخطوطات، استخدم يوآكيم عبارات التواضع، واعترف بخطاياه، وطلب الصلاة من أجله. لكن ملاحظاته تتضمن أيضًا سمات مميزة؛ إذ يولي اهتمامًا خاصًا بأسرته وموطنه الأصلي، ويعبّر عن آماله وتطلعاته الشخصية.
وتقدّم لنا ملاحظات يواكيم الهامشية، إذا نظرنا إليها مجتمعة، صورة رجل واسع الثقافة، ذي مكانة وسلطة، يحظى بالاحترام، ويعتز بأسرته، وهو في الوقت نفسه مسافر ومهاجر وناسِك تقيّ. ولا تنبع هذه الصورة من مضمون ملاحظاته فحسب، بل أيضًا من خطه الواضح المرتّب، وقدرته على صياغة نصوص مترابطة ومحكمة التنظيم، تتضمن معلومات شخصية عنه.
ومن الواضح أن يواكيم كان شديد التعلّق بالأماكن، وهو ما يظهر في حرصه على ذكر أصول الأشخاص الذين يشير إليهم، بمن فيهم هو نفسه. ويمكن تتبّع جذور أسرته إلى مدينة الشوبك المعروفة في شرقي الأردن. وكانت الشوبك، إلى جانب مدينة الكرك، مركزًا مهمًا للمسيحية الأرثوذكسية بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. وقد دفعت الظروف السياسية المضطربة في العصر المملوكي جماعات مختلفة من الأقليات إلى مغادرة الشوبك والاستقرار في مدن فلسطينية مثل القدس والرملة وغزة.
ويكشف يوآكيم أيضًا عن صلاته الوثيقة بغزة، حيث يُرجّح أنه نشأ، وحيث يبدو أنه اختار ممارسة مهنته الكهنوتية. فبدلًا من الاحتفاظ باللقب العائلي “الشوبكي”، استخدم لقب “الغزّي.” وهذا الاختيار له دلالته؛ إذ يوحي بأنه اندمج اندماجًا وثيقًا في مجتمع غزة، وحظي فيه بقدر من الاعتراف والمكانة الاجتماعية.

مخطوط سيناء عربي ٣٩٨، ورقة ٢٥٧ وجه: صفحة كاملة من ملاحظات يواكيم الغزي. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين
© 2026 by St Catherine’s Monastery at Mt Sinai.
ومن الجوانب المهمة الأخرى في ملاحظاته رغبته المعلنة في البقاء في دير سانت كاترين حتى وفاته، وأن يُدفن في “الكمّنتير” (وهو المدفن الجماعي الذي كانت تُودَع فيه تقليديًا رفات رهبان سيناء). نحن لا نملك سجلًا رسميًا يحدد عمر يواكيم، لكن ملاحظاته توحي مرارًا بأنه كان مستعدًا للموت. بل إنه يطلب صراحةً من الله أن يتيح له الاستقرار في سيناء والموت فيها. ومن المثير للتأمل أن نعرف لماذا كان رجل تنتمي أسرته إلى مكان، ويبدو أنه قضى معظم حياته في مكان آخر، شديد الرغبة في الاستقرار والموت في مكان ثالث يختلف عنهما تمامًا.
ويعرّف يوآكيم نفسه أيضًا باعتزاز بأنه خال صقر بن سلمان الضاني. وفي بعض المخطوطات، يذكر أخا صقر، خليلً، إلا أن صقر هو الذي يشير إليه على نحو متكرر. ولا نعرف عن صقر إلا القليل، لكن يواكيم يكتب عنه كما لو كان شخصية معروفة لا تحتاج إلى تعريف. وتعود أصول صقر إلى منطقة شرقي الأردن، وتحديدًا إلى بلدة أو قرية صغيرة تُدعى ضانا، يبدو أنها كانت تقع في محيط الشوبك. وفي عدد من الملاحظات، يوصف صقر أيضًا بأنه الشوبكي
ولعل أكثر جوانب اعتزاز يواكيم بأسرته إثارةً للاهتمام أن أيًّا من أقاربه الذين يذكرهم لم يكن يشغل منصبًا أو رتبة دينية، ولا حتى رتبة راهب عادي. بل كان يعرّفهم بأسمائهم المدنية، أو بأماكن أصولهم، أو بمهنهم. وقد يشير ذلك إلى أن الأسرة كانت تنتمي إلى جماعة علمانية ذات مكانة اجتماعية، لا إلى نخبة دينية. وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أن التعريف بالنفس من خلال لقب أو منصب ديني كان أمرًا شائعًا في تقييدات التملّك والقراءة وهوامش المخطوطات. ومن اللافت أيضًا أن جميع الأشخاص الذين يذكرهم يواكيم ينتمون إلى جهة عائلة الأم. أما جرجس، الذي كان يعتز بصلته بيواكيم ويفاخر بها، فلا يرد له أي ذكر في ملاحظات الأخير، دون أن نعرف سببًا واضحًا لذلك
وبهذا نصل إلى ختام جولتنا مع ملاحظات يواكيم الجانبية في المرحلة الأولى من زياراته إلى دير القديسة كاترينا. وفي التدوينة القادمة، سنتعرّف إلى المرحلة الثانية من هذه الملاحظات، وكيف تحوّلت زياراته الصيفية المتكررة إلى إقامة دائمة في الدير
- تمت الترجمة بمساعدة من الذكاء الاصطناعي. ↩︎
- المقال الأصلي يحتوي على المزيد من التفاصيل وصور المخطوطات. See Vevian Zaki, “From a Pilgrim to a Resident: The Marginalia of Yuwakim Ghazzī in the Manuscripts of Mt Sinai.” Journal of Eastern Christian Studies Vol. 73/3-4 (2021): 219-262. ↩︎
Keywords: Gaza, Mount Sinai, Yuwākīm al-Ghazzī, summer journeys, travel
English Original of this text here
Suggested Citation: Vevian Zaki (31 October 2026). ” Under the Burning Sun: Yuwākīm al-Ghazzī’s Annual Journeys from Gaza to Sinai” Margins Speak Blog (https://vevianzaki.com/?p=1412)

Leave a Reply