Home

Margins Speak
By Vevian Zaki


من طرابلس عبر قبرص إلى سيناء (٢)

1الرحلة عبر صحاري مصر إلى دير سانت كاترين

في التدوينة السابقة، تتبّعنا رحلة مجموعة مجهولة من المسيحيين الناطقين بالعربية انطلقت من ديرٍ قريب من مدينة طرابلس، مرورًا بقبرص، وصولاً إلى مصر. وصلنا خبر هذه الرحلة فقط من خلال ورقة منفصلة محفوظة داخل مخطوط سرياني في مكتبة الفاتيكان. ورغم أن النص لا يذكر سوى أسماء الأماكن ومدة الاقامة فيها فإنه يقدّم لمحة نادرة عن حركة التنقل في شرق البحر المتوسط في أواخر القرن الخامس عشر

بعد نشر التدوينة الأولى اقترح أحد الزملاء احتمالاً مثيراً للاهتمام، وهو أن هؤلاء ربما كانوا رهبانا من دير سانت كاترين عائدين إلى ديارهم، وليسوا حُجاجّا متجهين إليه. وقد بدا هذا الاحتمال مقنعاً في البداية، لكن الأدلة المتوفرة لا تسمح بتأكيده. فالنص ليس أكثر من خط سير للرحلة، كما أن طبيعة المصدر المُجزّأة تجعل من المستحيل إعادة بناء السياق الكامل لهذه الرحلة. ومن المهم أيضاً أن نتذكر أن النص وصلنا على ورقة منفصلة من مخطوط، ومن المحتمل أن تكون أوراق أخرى تصف مراحل سابقة أو لاحقة من الرحلة قد فُقدت، أو انفصلت عن المخطوط، أو لا تزال محفوظة في مجموعة أخرى ولم تُكتشف بعد. وحتى ظهور أدلة جديدة، يبقى التفسير الأقرب إلى الواقع هو أن هذه كانت رحلة طويلة إلى جبل سيناء

تناولت التدوينة السابقة المرحلة الأولى من الرحلة، التي حملت المسافرين من طرابلس إلى قبرص ثم إلى مصر. أما في هذه التدوينة، فسنتابع المرحلة الثانية من ساحل مصر إلى وادي النيل، ثم عبر صحراء سيناء حتى دير سانت كاترين

وكما هو الحال في النص الأول، يتميز هذا النص الثاني بإيجازه الشديد. فهو لا يصف المدن أو المناظر الطبيعية أو السكان، ولا يخبرنا شيئاً عن مشاعر المسافرين أو دوافعهم أو ما شاهدوه خلال السفر. لا توجد أسماء للأشخاص، ولا تفسير لهدف الرحلة، بل يقتصر النص على تسجيل أهم محطات التوقف وعدد قليل من التواريخ

كُتب هذا النص على الوجه الأمامي من الورقة( ۱۱٩و) بخط يختلف عن الخط الذي كُتب به النص الأول على الوجه الخلفي (۱۱٩ ظ). ومع ذلك فمن الواضح أن النصّين يصفان الرحلة نفسها. فكلاهما ينتهي بوصول المسافرين إلى دير سانت كاترين في اليوم نفسه، وهو الأول من شهر فبراير بحسب التقويم الجولياني (الموافق للعاشر من فبراير بحسب التقويم الميلادي الغريغوري).

وسأعرض أولاً نص هذا المسار كما ورد في المخطوط، ثم أحاول تتبّع الطريق الذي سجله كاتبه المجهول

المجد لله دايما
من القاهرة يوم الاحد يوم عيد القديس ماقاريوس
في شهر كانون المبارك وانزلنا العرب في جبل الذهب
ومنه عالبركة ومن البركة الى الخانكة وايضا يوم
الخميس وهو يوم الثالث والعشرين منه سرنا الى
الدير المقدس راسا الى جفراه وثاني مرحله مقمعر
وثاني عيون موسى والثالثه وروان؟ وخامس
غرندون وسادس عكره و7الجلده و8
ام حلق ومنه الى الدير المقدس
المجد (؟)
بسم الله بسم الله
اول شهر شباط وصلنا الى الدير
المقدس طور سينا احفظه الله تعالى

من دمياط إلى القاهرة

انتهى النص الأول بوصول المسافرين إلى مدينة دمياط، حيث أقاموا شهرين ونصفاً. وقد يبدو هذا التوقف الطويل غريباً للوهلة الأولى، نظراً لقِصر المسافة بين دمياط والقاهرة. إلا أنّ دمياط لم تكن مجرد ميناء إقليمي، بل كانت تضم جماعة مزدهرة من الملكيين (الروم الأرثوذكس)، وكان لدير سانت كاترين فيها مقر فرعي. كما أن عددًا من رهبان الدير وزائريه كانوا من أبناء هذه المدينة

ومن دمياط توجه المسافرون إلى القاهرة، حيث أقاموا شهرين آخرين. كانت القاهرة محطة أساسية لكل من يقصد دير سانت كاترين، لأن رئيس أساقفة سيناء كان يقيم عادةً في مقر الدير بالقاهرة أكثر من إقامته في سيناء نفسها. وكان الزائرون غالباً بحاجة إلى رسالة توصية منه قبل السماح لهم بدخول الدير. ويرتبط وجود رئيس الأساقفة الطويل في القاهرة بطبيعة العلاقة بين الدير وقبائل البدو في سيناء. فوفقاً للعُرف السائد كان وصول رئيس الأساقفة إلى الدير يقتضي فتح أبوابه وتوزيع الطعام على القبائل البدوية المحيطة. ومع ما كان قائماً من توتر بين الرهبان وبعض القبائل، أصبح من العملي أن يقيم رئيس الأساقفة في القاهرة معظم أيام السنة

غادر المسافرون القاهرة في عيد القديس مرقوريوس، الذي وافق يوم الأحد ١٩ يناير، ووصلوا إلى دير سانت كاترين في ١۰ فبراير. رغم أن النص الثاني لا يذكر سنة الرحلة، لكن يمكن إعادة بنائها من خلال الجمع بين النصين. فقد غادر المسافرون دير القديس يعقوب في أكتوبر سنة ١٤٩٨، ثم أقاموا عشرة أشهر في الكورة، وشهرين ونصف في دمياط، وشهرين في القاهرة. أما مدة إقامتهم في قبرص فلا يذكرها النص، باستثناء ثمانية أيام قضوها في بافوس. وإذا افترضنا أنهم أمضوا نحو شهر في الجزيرة، ولم يتعرضوا لتأخيرات كبيرة، فإنهم يكونون قد وصلوا إلى سيناء في ١۰ فبراير سنة ۱٥۰۰، أي بعد نحو ستة عشر شهراً من بداية رحلتهم. أما إذا كانت إقامتهم في قبرص أطول، فمن المرجح أنهم وصلوا إلى الدير في فبراير سنة ۱٥۰۱

من القاهرة إلى الدير: محطات الطريق

يمكن التعرف إلى بعض أسماء الأماكن التي يذكرها النص بدرجة معقولة من اليقين إما لأنها لا تزال معروفة حتى اليوم، أو لأنها وردت في رحلات أخرى

وكان من المعتاد أن يجتمع المسافرون في الضواحي الشرقية للقاهرة قبل دخول صحراء سيناء، في انتظار القوافل المتجهة إلى مكة للحج أو إلى ميناء أولها جبل الذهب. وحتى الآن لا أعرف موضعاً يحمل هذا الاسم تحديداً. وقد يكون الاسم مرتبطاً بالجبل الأصفر الواقع شرق القاهرة. ورغم أن الموقع المعروف اليوم لم يتطور إلا في القرن العشرين، فإن التشابه بين الاسمين يثير احتمال أن يكون كلاهما يعود إلى اسم موضع أقدم. ويذكر النص ثلاث محطات في هذه المنطقة. الطور لأغراض التجارة والنقل أما المحطة الثانية فهي البِرْكة وهو موضع معروف في الكثير من المصادر العربية. ويشير .إليه مؤلفو العصور الوسطى باسم بركة الحاج أو بركة الجُب ويصفونه بأنه منخفض يقع على طريق الحج شرق القاهرة. والمحطة الثالثة هي الخانكة، وبالتحديد خانقاة سرياقوس، وهي محطة تتكرر في كثير من كتب الرحلات في العصور الوسطى. ويبدو من النص أن المسافرين قضوا نحو خمسة أيام في التنقل بين هذه المحطات قبل أن يغادروا إلى الصحراء يوم الخميس 23 يناير

وبعد دخولهم سيناء سجَّلَ الكاتب سلسلة من المحطات على الطريق، وقسّمَ الرحلة إلى مراحل، وجعل كل محطة مرحلة مستقلة. وفي البداية رقَّمَ هذه المراحل بالألفاظ العربية (الثانية، والثالثة، … حتى السادسة)، ثم انتقل بعد ذلك من دون سبب واضح إلى استخدام الأرقام القبطية

وأول موضع يذكره هو جفرة، وربما يكون المقصود هو السهل المعروف في المصادر العربية الوسيطة باسم الجفار في شمال سيناء. ويبدو أن المسافرين وصلوا إليه في اليوم نفسه الذي غادروا فيه القاهرة. أما المحطة التالية، المكتوبة في المخطوط باسم مقمعر، فقد تكون هي نفسها الموضع Meschmar أو Megmarالذي سماه الرحالة الألماني فيليكس فابري (۱٤٤۱-۱٥۰٢)

أما بقيّة المواقع فمن السهل التعرف عليها. عيون موسى لا تزال معروفة حتى اليوم. والموضع الذي يسميه النص وروان هو على الأرجح وادي ورفان، الذي ذكره الرحالة كارستن نيبور بوصفه موضعاً تسكنه جماعات قبائل بدوية. كما أن غرندون تقابل على الأرجح غرندل الحالية بالقرب من أبو زنيمة، حيث لا يزال الاسم محفوظًا بصيغة قريبة. أيضاً أم حلق هي إحدى المناطق السينائية وإن كانت غير مذكورة كثيراً

مخطوط سيناء عربي 315، ورقة 1 وجه: ملحوظة أن بايسيوس اقلوم الدير هومالك هذه المخطوطة والمعتني بنساختها. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين

ما هي اهمية هذه الرحلة؟

تكمن أهمية هذين النصين القصيرين في إيجازهما الشديد. فرغم أنهما كُتبا بخطين مختلفين، فإنهما يتبعان الأسلوب نفسه. فقد ركّزَ النص الأول على الطريق من طرابلس إلى مصر، ولم يذكر إلا القليل عن التنقل داخل مصر. أما النص الثاني، فيبدو أنه كُتِب لاستكمال هذا النقص، إذ يُقدِّم وصفاً أكثر تفصيلاً للطريق بين القاهرة وسيناء

لم يكن أيّ من الكاتبين مُهتمّاً بوصف المناظر الطبيعية أو تسجيل الحوارات أو الحديث عن التجارب الشخصية، بل انصب اهتمامهما على الجوانب العملية للسفر: الطرق ومحطات التوقف، والتواريخ، ومدد الإقامة، وأحياناً وسائل النقل. ومع ذلك، فإن العلاقة الوثيقة بين النصين توحي بأن كاتبيهما عملا معاً أو دوّنا رحلتهما في فترة زمنية متقاربة. ولا نعرف على وجه اليقين إن كان دير سانت كاترين هو المحطة الأخيرة في رحلتهما، كما لا نعرف مدة إقامتهما فيه

وتزداد أهمية هذه الرحلة إذا نظرنا إلى توقيتها. ففي حدود سنة ۱٥۰۰كان دير سانت كاترين يمر بفترة من التراجع. فعندما زاره الرحالة الألماني أرنولد فون هارف سنة ١٤٩٧، ذكر أنه لم يجد فيه سوى ثمانية رهبان، وادَّعى أنّه لم يَزر الدير أي مسيحي غربي خلال السنوات العشر السابقة. ورغم أن هذا الادعاء غير صحيح فإنه يعكس الصورة التي كانت سائدة آنذاك

في الوقت نفسه تعاني هذه الفترة من ندرة واضحة في المصادر التاريخية. فنحن غير متأكدين من اسم رئيس أساقفة سيناء في ذلك الوقت. أما المسؤول الوحيد الذي يمكن التعرف إليه في فترة زمنية مقاربة فهو وكيل الدير بايسيوس، الذي أشرف على نسخ مخطوط سيناء عربي ٣١٥ سنة ١٤٨٥

وفي ضوء هذه الندرة، تكتسب هذه الورقة المتواضعة قيمة استثنائية. ففي وقت تقل فيه الشواهد على تاريخ دير سيناء، حفظ لنا هذا النص النادر شهادة مباشرة على حركة مجموعة مجهولة من المسيحيين الناطقين بالعربية بين بلاد الشام وقبرص والقاهرة وجبل سيناءعند مطلع القرن السادس عشر


  1. تمت هذه الترجمة بمساعدة الذكاء الاصطناعي ↩︎

English original of this post is here.

Suggested Citation: Vevian Zaki (10 July 2026). ” From Tripoli through Cyprus to Sinai (2): Crossing the Deserts of Egypt to St. Catherine’s MonasteryMargins Speak Blog (https://vevianzaki.com/2026/07/10/from-tripoli-through-cyprus-to-mount-sinai-2/)

Disclaimer: The Arabic content on this website is not a literal translation of the English version. Footnotes are available on the English blog.
النسخة العربية لهذه المُدوَّنة ليست ترجمة حرفية للنص الإنجليزي الأصلي. وللاطلاع على الحواشي، يُرجى الرجوع إلى النص الإنجليزي

This blog was written as part of my project “Travellers on the Margins: Mobility of Arabic-Speaking Christians in the Ottoman Empire (MOBASC),” (ID: 101105776) which is funded by the European Union through a Marie Skłodowska Curie Fellowship.


Copyright © [2026] [Vevian Zaki].
All rights reserved. You may share this article for non-commercial purposes with proper credit and a link back to this website. Commercial use requires prior written permission.

One response

  1. […] Translation of this post is here الترجمة العربية لهذا النص […]

Leave a Reply


Discover more from Home

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading