Home

Margins Speak
By Vevian Zaki


لما الناسخ ينعس

نيلس الدمشقي وشغله الدقيق

في ليلة من ليالي سنة ١٢٥١م، كان راهب ناسخ في دير سانت كاترين في سينا – اسمه نيلس الدمشقي – قاعد في قلايته بينسخ مخطوطة.1 النوم غلبه فنعس وهو شغّال. ولما صحِي وكمِّل النسخ، من غير ما ياخد باله، ساب صفحة فاضية في نص الكلام. ورغم إن نيلس كان بينسخ المخطوطة لنفسه، إلا إنه كان متوقع إن ناس تانية تقراها في حياته وبعد موته. علشان كده، كتب اعتذار في الصفحة الفاضية بيقول فيه

سهو من الناسخ لانه كان بالليل فنعس. اغفر لي وصلي عليّ أيها القاري أو الناسخ يغفر الرب لك

مخطوطة سيناء عربي ٤٤٠، ورقة ٢٩٣ظ: اعتذار نيلس عن نومه. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين

نيلس وصل لدرجة عالية جدًا من التواضع والمقدرة على الاعتراف بالغلط والاحساس بالمسئولية: حدِّد الغلط بالظبط واعتذر عنه بصراحة.. الاعتذار التفصيلي ده حالة نادرة. صحيح إن الاعتراف بالأخطاء موجود في المخطوطات ، لكنه مش منتشر وغالباً بيبقى اعلان عن التقوى واحتياطي يعني لو واحد من القراء شاف غلط في الكتابة.

بعد كام سنة، وتحديدًا سنة ١٢٥٥م، وهو بينسخ مخطوطة تانية، وقع في نفس الغلطة، وساب جزء من الصفحة فاضي. ومرة تانية اعترف بالغلطة وكتب اعتذار قصير بيقول فيه

اعلم وفقك الله تعالى ان هذا سهو من الناسخ وما فيه نقص فصلِّي على الناسخ الخاطي يذكرك الرب في ملك السما آمين

المرة دي نيلس ما قالش إذا كانت المخطوطة لنفسه ولا لشخص طلبها. ومع كده، اختار الصراحة بدل ما يخبي الغلطة. قليل جدًا من النُسّاخ كانوا بالوضوح ده. أغلبهم كانوا بيكتبوا اعتذارات شكلية أو احتياطية في نهاية المخطوطة. ومع إن المخطوطات كانت بتمر بعملية مراجعة وتصحيح دقيقة، إلا إن نادرًا ما نلاقي ناسخ بيعترف بغلطه بالشكل ده وبالتفاصيل دي.

ممكن القارئ يتخيل إن نيلوس كان ناسخ مهمل أو كسول، شغله بطيء ومليان أخطاء. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، ودي ممكن نفهمها لو عرفنا معلومات اكتر عن حياته وطريقة شغله. نبدأ القصة من الاول

نيلس – اللي اسمه بيدل على إنه من دمشق – عاش واشتغل في دير سانت كاترين أو طور سيناء عشرين سنة على الأقل. وكان موجود في فترة نشاط كبير جدًا في نسخ المخطوطات في الدير. ساعتها كان أسقف سيناء هو الأسقف مقار (مقاريوس) (اللي نعرف انه عاش من قبل سنة ١٢٢٣ حتى ١٢٥٢)، وهو كمان من دمشق. الباحث ألكسندر ترايجر أعاد بناء سيرة مقار وكتاباته، ورجّح إن نيلس كان قريب منه جدًا، ويمكن كان سكرتيره.

نيلس كان مندمج بشكل كبير وأساسي في نسخ ومراجعة المخطوطات في الدير. يا إما كان بينسخ مخطوطات كاملة ، أو كان بيساعد في تجديد المخطوطات القديمة اللي اتقطعت اوراقها بإنه يكمّل النصوص الناقصة في أولها وآخرها عشان تتجلد من تاني. وكمان كتب حواشي كتير في مخطوطات ما نسخهاش بنفسه ودا بيثبت إنه كان بيشتغل كمراجع ومُصَحِّح. وفي مرة نسخ رسالة قصيرة للأسقف مقار في بداية مخطوطة. من بين كل المخطوطات اللي نسخها ولسه موجودة في دير سانت كاترين، اتنين بس كانوا معمولين لاستخدامه الشخصي، ومع كده كان واضح إنه قاصد إن ناس غيره تقراهم بعده زي المثال اللي قلناه في الأول. باقي المخطوطات غالبًا كانت للرهبان في الدير نفسه، خصوصًا إن كتير منها بيستخدم في العبادة.

كده قدامنا صورتين لنيلس: ناسخ بينعس ويغلط، وناسخ دقيق جدًا ويُعتمد عليه وقريب من قيادة الدير. إزاي نجمع بين الصورتين دول؟

لما نبص لطريقة شغله، هنقدر نفهم أكتر عن ما يبدو انه تناقض دا. أقدم مخطوطة معروفة لنيلس هي مخطوطة سيناء عربي ١٦٤ اللي نسخها سنة ١٢٣٨م. المخطوطة دي بتبين دقته الشديدة. هو نسخ فيها قراءات الرسائل وسفر أعمال الرسل، ونيلس ما اكتفاش بالنسخ، لكن راجع النص بعناية شديدة. الهوامش مليانة تصحيحات وملاحظات وقراءات من نسخ تانية علشان يضمن إن القراءات الطقسية تتقري صح وفي وقتها الصح

عملية المراجعة نفسها ملفتة. الإضافات الجانبية مكتوبة بخطه وبنفس الأحبار اللي كتب بيها النص الرئيسي في المخطوطة، لكن بأحجام مختلفة حسب المساحة المتاحة في الهامش. والأهم من كده ملاحظات صغيرة جدًا مكتوبة بالعرض في اتجاه رأسي موازي  لحرف الورقة، كأنها تذكير لنفسه بحاجات لازم يعملها بعدين او حاجات مش فاهمها أو حاجات ناقصة. مكانها على الطرف خالص يدل إنها كانت مؤقتة، وبعضها فعلًا اتقص أو اتمسح

كده قدامنا صورتين لنيلوس: ناسخ بينعس ويغلط، وناسخ دقيق جدًا ويُعتمد عليه وقريب من قيادة الدير. إزاي نجمع بين الصورتين دول؟

خلينا نشوف شوية أمثله

ورقة ١٠٠ظ
اكتب هاهنا اسامي البلاد التي كرز فيها بولس قبل اول رساله روميه من نسخة الكنيسة ان شا الرب
يعني يقصد  يفكر نفسه انه يكتب في الهامش قبل رسالة رومية أسماء البلاد اللي بشّر فيها بولس ، وينقلها من المخطوطة اللي في الكنيسة، إن شاء الله

مخطوط سيناء عربي ١٦٤، ورقة ١٠٠ظ: ملاحظة بخط صغير جدا على الحافة اليمنى للصفحة. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين

ورقة ٨٦ظ
ما أدري أين علامة هذا السطر
يعني هو مش عارف فين علامة السطر ده

ورقة ٨٨ظ
من هنا ما وجدت عدد الفصول
يعني من هنا مفيش أرقام للفصول أو للاصحاحات

ورقة ١٩٥ظ
أريد أن أصلي أنا وحدي من يوم الثلاثاء من الجمعة الثانية بعد عيد الخمسين إن شاء الله والحاشية دي ملهاش اي علاقة بالمخطوط والمراجعة. دي ملحوظة شخصية كتبها في صفحة فاضية بيقول فيها انه عايز يخصص وقت يصلي فيه لوحده من أول يوم التلات من الأسبوع التاني بعدعيد الخمسين

في مخطوطات تانية استخدم نفس الطريقة. في مخطوطة سيناء عربي ٢٥٢، كمل أوراق ناقصة في أول وآخر الكتاب، وكتب ملاحظة قصيرة غالبا للي هيجلّد المخطوط (بس المرة دي في الهامش اللي فوق)
في أول الكتب وآخرها — يقصد ان الورق دا يتضاف ويتلزق في أول وآخر الكتاب

وأحيانًا كان بيصحح أخطاء أكبر. في مخطوطة ١٦٤، زوّد ورقة صغيرة في النص علشان يكمل جزء ناقص، وكتب تعليمات للقارئ إزاي وامتى بالظبط يقراها، ورقّمها ضمن ترقيم المخطوطة. وفي مخطوطة تانية كرر سطر بالغلط، فلما خد باله شطبه وكمل صح

يمكن غلطات نيلس كانت ظاهرة اكتر من أخطاء نُسّاخ تانيين بسبب انه كان بيبذل مجهود عشان يصلحها. يعني المميز في شغله مش غياب أي أخطاء لكن تصميمه على الاعتراف بيها وتصليحها. قصة نيلس بتدينا صورة حيّة عن واقع شُغل النُسّاخ في العصور الوسطى. رغم مكانته العالية ومهارته، كان بيتعب وينعس ويفقد التركيز أحيانًا. لكنه كان بيعوّض ده بالمراجعة الدقيقة وبصراحة نادرة. اهتمامه بالدقة وراحة القارئ كان واضح في كل مرحلة من شغله

مخطوط سيناء عربي ١٦٤، ورقة ٢٧٨ظ-٢٧٩و: اضافة ورقة صغيرة بها النص المفقود. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين

السؤال المهم هنا: هل الاعتراف بالأخطاء والتصحيحات الكتير والاضافات كان بيقلل من قيمة المخطوطة أو بتأثرعلى سمعة الناسخ؟ صعب نحدد. لكن في حالة نيلس، واضح إن ده ما أثرش عليه بالسلب. بالعكس، نيلس استمر وقت طويل يشتغل عالمخطوطات ويدينا مثل لناسخ ضميره حي، دقيق، ومتواضع، وترك بصمته الواضحة على صفحات المخطوطات عبر القرون


  1. تمت الترجمة العربية بمساعدة الذكاء الاصطناعي ↩︎

Key words: scribes, copying mistakes, Nilus of Damascus, St. Catherine’s Monastery

English Original of this blog is here

Suggested Citation: Vevian Zaki (25 February 2026). ” When a Scribe falls asleep: The meticulous Work of Nilus of Damascus” Margins Speak Blog (https://vevianzaki.com/when-a-scribe-falls-asleep/)

Disclaimer: The Arabic content on this website is not a literal translation of the English version. Footnotes are available on the English blog.
النسخة العربية لهذه المُدوَّنة ليست ترجمة حرفية للنص الإنجليزي الأصلي. وللاطلاع على الحواشي، يُرجى الرجوع إلى النص الإنجليزي

This blog was written as part of my project “Travellers on the Margins: Mobility of Arabic-Speaking Christians in the Ottoman Empire (MOBASC),” (ID: 101105776) which is funded by the European Union through a Marie Skłodowska Curie Fellowship.


Copyright © [2026] [Vevian Zaki].
All rights reserved. You may share this article for non-commercial purposes with proper credit and a link back to this website. Commercial use requires prior written permission.

Keywords