من القطط المقدسة في مصر القديمة إلى قطط دير سانت كاترين
من سنين، لما زرت دير سانت كاترين في سينا، كان فيه حاجات كتير جدًا في الدير تلفت النظر وتبهر الواحد، لكن القطط اللي كانت عايشة هناك شدّت انتباهي بشكل خاص. كانت بتتمشى براحتها في كل حتة جوه الدير، وكأن المكان بيتها الطبيعي، وسط الرهبان والزوار والسياح. كانت بتاكل وتلعب، وفي أوقات معينة كانت بتتجمع ببساطة جنب الباب الخلفي للمطبخ، وكأنها مستنية نصيبها من الأكل. كانت حاجة ملفتة للنظر إن الدير كان، بشكل واضح، مكان للقطط أكتر بكتير من الكلاب اللي كانت على العكس بالكاد بتظهر جوه الدير
لما بدأت أقرأ حكايات الرحّالة والحُجّاج الأوروبيين اللي زاروا دير سانت كاترين، اكتشفت إني ما كنتش أول حد يلاحظ قطط الدير. واحد ورا التاني من الرحالة كان بيتكلم عن وجودها. بعضهم اكتفى إنه يذكرها، وبعضهم لاحظ طريقة الرهبان في معاملتها، أو خمّن نوعها، أو حتى حكى حكايات عن قطط بعينها.
الملاحظات المتفرقة دي شدتني لدرجة إني بدأت أجمعها. وبما إن العالم بيحتفل الأسبوع ده باليوم العالمي للقطط، فدي فرصة مناسبة إني أشارك بعض اللمحات والقصص اللي قابلتني وأنا بأقرا عن الرحلات الأوروبية إلى دير سانت كاترين، وبشكل أوسع، عن حكايات الرحّالة في مصر

.2016 القطط مستمتعة بالدفء وفي انتظار طعام خلف المطبخ. دير سانت كاترين. ©Vevian Zaki
القطط والرهبان في دير سانت كاترين
قطط سانت كاترين لفتت انتباه ناس كتير. وصف هنري بالمر (۱٨٤٠–۱٨٨٢) القطط أثناء زيارته للدير سنة ١٨٦٩بأنها عاملة زي اللجئون أو الفيلق القططي، يعني عددها ضخم بشكل ملحوظ. وكان مهتم بشكل خاص بالطريقة اللي الرهبان كانوا بيأخدوا بالهم منها. بحسب روايته، بعد ما كان الرهبان يخلصوا أكلهم، كان فيه جرس بيرن، وساعتها القطط كانت تتجمع في مكان معين علشان تأكل هي كمان
هوراشيوس بونار (۱٨٠٨–۱٨٨٩)، وهو رحالة تاني زار سينا، لاحظ هو كمان الفرق بين الحيوانات اللي جوه الدير واللي برّاه. ولما بدأ يتحرك في المنطقة المحيطة بالدير، كتب
أنا سلكت الطريق اللي كان بيطلع بشكل ملتف إلى أعلى الجبل، لكن في البداية استقبلني حوالي ستة كلاب، ويبدو إن الكلاب برّه الدير منتشره زي ما القطط منتشره جوّه
وبونار كتب كمان ملاحظات تانية عن قطط الدير. في إحدى المرات، قابل مجموعة من الرهبان وهم بيلعبوا مع عدد كبير منها. ووصف المشهد بدرجة من الاستغراب، ويمكن كمان بشوية سخرية، وكأنه بيلمّح إن اللعب مع القطط هو الشغل الوحيد اللي الرهبان عندهم وقت يعملوه.
وصف بونار للقطط نفسها فيه تفصيلة مثيرة للاهتمام. قال إنها كانت مقصوصة الودان ومقصوصة الذيل. للوهلة الأولى، ممكن نفهم من الكلام ده إن ده كان نتيجة قطع متعمد أو حادثة قاسية أثرت على ودان القطط أو ديولها. لكن الجو الدافي والصحوبية اللي هو نفسه وصفها بين الرهبان والقطط مش بيوحي بحاجة بالشكل ده. كمان، ممكن يكون وصفه ببساطة إشارة إلى صفات طبيعية موجودة في بعض القطط. يعني فيه سلالات عندها ودان متطبقه طبيعي، أو ديل قصير جدًا أو حتى مش موجود أصلًا، زي قطط المانكس والـقطط الاسكتلندية والموضوع ده مثير للاهتمام، لأن الأنواع دي من القطط مش معروفة في البيئة المصرية في الوقت الحالي. ولو القصة دي حقيقية وبونار مخترعهاش من خياله، هيبقى شيء مثير جدًا للاهتمام لو عرفنا أكتر عن القطط اللي كانت عايشة في سينا في الفترة دي، وإزاي بعض الصفات اللي لاحظها الرحالة وممكن أنواع كاملة من القطط اختفت مع مرور الزمن
لكن القطط ما كانتش مجرد كائنات لطيفة وكيوت وبفروة عايشة في الدير وخلاص. الرحالة كمان لاحظوا إن ليها دور عملي مهم. ومن أكتر الفوايد اللي كانوا بيذكروها قدرتها على إبعاد الكائنات غير المرغوب فيها، وخصوصًا الفيران والعقارب
في إحدى حكايات السفر، كان فيه مجموعة من الرحّالة في طريقهم إلى سينا، ووقفوا عند قلعة العقبة، اللي كانت معروفة بكثرة العقارب فيها. لكن، حسب الرواية، ما شافوش ولا عقرب واحد. ولما سألوا عن السبب، اتقال لهم إن السبب هو العدد الهائل من القطط اللي كانت عايشة هناك، واللي يبدو إنها كانت مسيطرة على أعداد العقارب ومخلّياها تحت السيطرة
نفس النظرة العملية للقطط بتظهر في كلام الرحالة عن دير سانت كاترين. بعض الرحالة كانوا بيضحكوا من الروايات اللي بتقول إن نظام الدير بيمنع النساء، وحتى إناث الحيوانات والطيور من دخول الدير. وبالنظر إلى العدد الهائل من القطط اللي كانوا شايفينها جوه، الرحالة كانوا بيستقبلوا الكلام ده بشوية شك. كان واضح ان فيه قطط كتير بتتولد جوا الدير وفيه عائلات كاملة من القطط. فالرحّالة، على سبيل الهزار، كانوا بيسألوا: معقول الرهبان يقدروا يعيشوا من غير قطط إناث؟
بمعنى تاني، فيه مفارقة لطيفة في الروايات دي. الدير كان بيتصوَّر باعتباره مكانًا مقدسًا شديد التنظيم، فيه قواعد بتحدد إيه اللي يدخل وإيه اللي ما يدخلش. لكن القطط؟ القطط كانت بتعدّي الحدود دي بمنتهى الحرية
قطط على طريق السفر إلى الدير
وقصص الرحلات احتفظت كمان ببعض الحكايات الشخصية — وأحيانًا الحزينة — عن القطط. مثلاً بالمر اللي اتكلمنا عنه من شوية هو ورفاقه في السفر مرّوا جنب البيت المهجور للميجور ماكدونالد، اللي كان قضى فترة من حياته عايش في صحارى سينا وبنى هناك بيت. وكان له رفيق من القطط اسمه بلاكي، ويبدو إن الميجور كان اتبناه من مكان ما في مصر بالقرب من البحر الأحمر. لكن لما ماكدونالد هج وساب المنطقة في النهاية، يبدو إنه ساب بلاكي وراه. وبعد فترة، بالمر ورفاقه لقوا القط المسكين ميت بالقرب من المكان الوحيد اللي كان يعرفه باعتباره بيته
المسافرين إلى دير سانت كاترين كانوا أحيانًا بيقابلوا قافلة الحج إلى مكة أو بيشاركوا جزء من الطريق معاها. عشان كدا في حكاية ظهرت في أكتر من حكاية من حكايات الرحلات: حكاية واحدة ست اتعودت تسافر مع قافلة الحج من مصر، عبر الصحاري إلى مكة، وكانت دايماً بتاخد معاها قططها. الست دي كانت معروفة انها أم القطط . مفيش طريقة نقدر نتأكد بيها إذا كانت الحكاية دي صحيحة تاريخيًا ولا لأ. لكن تكرارها في روايات الرحّالة في حد ذاته مهم. سواء كانت الست دي موجودة فعلًا بالشكل اللي اتوصفت بيه أو لأ، فالحكاية بتعكس نظرة الناس في الوقت ده للقطط، ومدى الحب والرعاية اللي كان بعض الناس بيقدموها لها
القطط بين مصر القديمة والحديثة
الرحّالة اللي كانوا بيزوروا مصر كان صعب جدًا يتجنبوا موضوع القطط. ولو ما كانوش بيوصفوا قطط حية، كانوا بيقابلوها في صور تانية: تماثيل ومومياوات موجودة في المقابر والمعابد المصرية القديمة. وكانت البقايا دي بتفكّر الزوار الأوروبيين بالتقدير والتبجيل اللي كانت القطط بتلاقيه من المصريين القدماء. وفعلًا، تاريخ القطط وأهميتها في مصر القديمة خلّى الباحثين في العصر الحديث يكتبوا عنها دراسات كتيرة. والتاريخ القديم ده كان كمان جزء من خيال الرحالة نفسهم
ألكسندر دوماس، مثلًا، في كتابه ”رحلة في مصر“، تخيّل نفسه في مقبرة بالقرب من هرم سقارة وهو طالع منها شايل تمثال متحنط لإيبس تحت دراعه اليمين، وقطة تحت دراعه الشمال. وكان بيتعامل معاهم بطريقة ساخرة باعتبارهم آلهة سابقة. يعني حتى وهو وسط المقابر المصرية القديمة، دوماس لقى طريقة يدخل فيها شوية هزار على الموضوع
عدد من الرحالة علّقوا على العلاقة الخاصة بين المصريين والقطط. لاحظوا إن القطط رغم انها خلاص مبقيتش من المعبودات لكن فضلت محتفظة بمكانة مميزة جوه البيوت المصرية. ويليام بيمونت (۱٧٩٧–۱٨٨٩)، مثلًا، كان مستظرف الكلمات اللي بتعبر عن القطط بالعربي، قِطّ وبِسّ، وكان شايف إنها قريبة من الكلمات الانجليزية المستخدمة للقطط (كات وبُس). لكنه كان برضو بيتساءل بسخرية ويقول ما معناه: إزاي حيوان كان المصريون القدماء بيقدسوه في يوم من الأيام، نزل من مكانته الإلهية ودلوقتي بتنادوه ”يا بسبس“؟

القطط متجمعة حوالين سائح بيأكلها. دير سانت كاترين 2019. ©Vevian Zaki
يمكن القطط تكون آخر حاجة الزائر يتوقع يشوفها وهو رايح دير. ومع ذلك، قطط دير سانت كاترين فرضت نفسها وبقت جزءًا من مشهد الدير والحياة فيه. وخلّت الباحثين والحجاج والرحالة يلاحظوا وجودها ويسجلوه، سواء كانت حية أو ميتة، ويفكروا في الفوايد اللي كانت بتقدمها — أو أحيانًا، الأضرار اللي كانت بتسببها
وأنا لسه عمّالة أسأل نفسي: يا ترى القطط اللي شفتها في الدير، وهي متجمعة حوالين المطبخ بتدور على الدفا والأكل، ممكن تكون من نسل القطط اللي كانت، من قرون، تجري على مكان محدد أول ما تسمع جرس العشا؟
يبدو إن بعض العادات بتفضل عايشة وتكمل مع الزمن، ومش بس عند البشر — حتى القطط عندها تقاليد وعادات بتتنقل من جيل لجيل
Keywords: Cats, European Travellers, St. Catherine’s Monastery
English Original of this post here
Suggested Citation: Vevian Zaki (13 August 2026). ” Cats on Mount Sinai: ” Margins Speak Blog (https://vevianzaki.com/2026/08/11/cats-on-mount-sinai).

Leave a Reply