اعادة استخدام الجوابات القديمة في ترميم المخطوطات
لو جينا دلوقتي نقرا المخطوط الليتورجي سيناء عربي ٢٥٣ هنلاحظ حاجة ملفتة في نهايته. الناحية الداخلية من الغلاف الخلفي ملزوق عليها قطعة ورق كبيرة. واضح إنها كانت مستخدمة كدعامة أو غطاء للغلاف. القطعة دي فيها نص عربي مكتوب في اتجاهات عكس بعض. يعني فيه سطر مكتوب بالمقلوب بيقول
يُسلّم إلى أنبا سابا السرياني الصيدناي من القس أرسانيوس الكركي
ومن العبارة دي نقدر نفهم إن قطعة الورق دي جزء من جواب.أما الكتابة العِدلة فبتقول
امسك قلم (وتعرف؟) فراج ان ما اخدت شي من (السـ؟) لان العبد | قال في الوسط ماله الا عشرين فحلفت انهم ما يعبروا قلايتي1 | لاني خجلت من كثره الكلام بين الرهبان وترد الي الجواب بسرعه | بعد السلام عليك وتسلم على الشيخ فراج الرب الاله يستره وتهنيه | بسلامه الشيخ الصفي(؟) ……….القسيس ارساني الكركي الطالب صلواته
محتوى الرسالة بيكشف عن نزاع مالي حاد. أرساني بيطلب من المُرسَل إليه، الأنبا سابا، إنه «يمسك قلم»، يعني يعرض الحسابات المظبوطة على شخص اسمه فرّاج، وبيأكد إنه ما قبضش أي حاجة مقابل خدمة أو صفقة معينة. وبيقول إن فيه عبد وغالبا المقصود هنا خادم قال إن اللي ليه عشرين بس (من غير ما يوضح عشرين ايه) . واضح ان أرساني كان شايف انه يستحق أكتر بكتير من كدا فاتنرفز وحلف إنه مش هيسمح لهم حتى يعدّوا قدّام قلايته (منعرفش هما مين بس غالبا اللي واكلين حقه).[1] كمان بيشتكي من الكلام الكتير بين الرهبان وبيطلب رد سريع. وفي الآخر بيحاول يلطّف الجو ويبعث تهنئة — غالبًا بمناسبة مولود أو حدث عائلي

مخطوط سيناء عربي ٢٥٣: الغلاف الخلفي من الداخل والجواب الملزوق عليه. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين
اللافت للنظر إن اسم أرسانيوس الكركي ظاهر في مخطوطات تانية في مجموعة مخطوطات سيناء كمالك ومقتني لمخطوطات عربية سنة ١٣١٦ و١٣١٩م. وده يتوافق مع واحد واضح ان امكانياته المادية تسمح بكدا، وممكن إن الشخص المذكور في الرسالة هو نفسه صاحب المخطوطات. ولو كده، يبقى كان مقيم في الدير وليه دور اقتصادي وإداري مهم.
المخطوط سيناء عربي ٢٥٣ غالبًا بيرجع للقرن التلاتاشر، وواضح عليه علامات استخدام مكثف، وده ممكن يفسّر الحاجة لإعادة تجليده. فيه شرائط تدعيم ورقية كتير عليها كتابة بالعربي واليوناني منتشرة في المخطوط. واحدة من الشرائط دي، بين الورقتين ٢٦ ظ و٢٧ و، فيها اسمَي الشوبك والكرك—وهم مدينتين مرتبطتين بسيناء ومعروف إنهم كانوا مصدر للرهبان عبر القرون. ورغم إننا ما نقدرش نثبت إن كل الشذرات العربية جاية من نفس أرشيف المراسلات، إلا إن تكرار ذكر الكرك بيقوّي احتمال إن ليها أصل مشترك.
إعادة استخدام الجوابات القديمة؟
وأنا بفحص الهوامش في المخطوطات العربية في مجموعة دير سانت كاترين ضمن مشروعي البحثي، بلاقي كتير جدًا من القصاصات من جوابات قديمة زي دي: شرائط، وأجزاء مقطوعة من صفحات، وأحيانًا صفحات كاملة معمولة كدعامات للتجليد، أو أوراق فاضية في بداية ونهاية المخطوطة، أو أوراق ملزوقة جوه غلاف المخطوطة. بيبقى واضح ان الورق دا مش أصلي في المخطوط، لكنه اتضاف بعدين أثناء عمليات تجليد أوترميم المخطوط
مع كثرة الاستعمال، المخطوطات طبيعي تتآكل. علشان كده الترميم وإعادة التجليد كانوا إجراءات روتينية في الأديرة. زمان كانت الطريقة المعروفة لصيانة وتجديد والحفاظ على المخطوطات هي باستخدام دعامات من الورق. وِرَش التجليد كانت محتاجة أوراق قوية بكميات كبيرة، والورق زمان كان غالي ومش سهل يتجاب. فالرهبان كانوا بيعيدوا استخدام أي ورق قديم ملوش استخدام عندهم أو فيه صفحات فاضية، وكانوا يمسحوا نصوص من رق ويكتبوا عليها تاني، أو يقطّعوا مخطوطات ورسايل قديمة إلى شرائط رفيعة يلزقوها في الأماكن الضعيفة علشان يقوّوا الورق أو يصلّحوا الحتت اللي اتقطعت أو اتمسحت
في دير سانت كاترين، الأوراق المعاد استخدامها دي غالبًا بيبقى فيها نصوص يا إما بالعربي أو اليوناني أو السرياني، وبدرجات مختلفة من الوضوح. حسب حجم القطعة وطريقة قصّها، النص الللي فيها ممكن يبقى حروف قليلة أو جمل قصيرة أو مقاطع طويلة أو حتى صفحة شبه كاملة
ليه احتاجوا يصلحوا المخطوطات وليه استخدموا الجوابات بالذات؟
في دير سانت كاترين، الرهبان كانوا بيحتفظوا بنسخ من الوثائق الرسمية، خصوصًا بسبب النزاعات المتكررة مع القبائل البدوية على الأرض والزراعة والتجارة. المستندات المكتوبة كانت أساسية في حماية حقوق الدير ومستحيل التفريط فيها. علشان كده، قرار إعادة استخدام أي مستندات غالبًا بيكون قرار محسوب بعناية، ويدل إن الرسايل دي فقدت قيمتها الإدارية المباشرة. وجود عدد كبير من الرسائل المعاد استخدامها ممكن يشير لإعادة تدوير أرشيف على بعضه في وقت واحد أو حتى يمكن كانوا بياخدوا جوابات وقت ما يحتاجوها في اوقات مختلفة
الرسايل دي عاشت مرحلتين: المرحلة الأولى لما اتكتبت في سياق معين وزمن معين وكان فيها محتوى بتاع وقتها. المرحلة التانية كانت غالباً أيام الحكم العثماني لما قطعوها وأعادوا استخدامها في ورش التجليد والتصليح بعد قرون طويلة. ومن مجموعة الرسايل الكبيرة دي، هركّز على مثالين إضافيين غير اللي قريناه فوق
أولاً: ديون الأخ جرجس
فيه شريط ورق ملزوق بين الورقتين ٧٥ظ و٧٦و من مخطوط سيناء العربي ٤٧(مزامير)، غالبًا علشان يربطهم ببعض ويمنع إن المخطوط يتقطع في المكان الضعيف ده. الشريط ده عليه جزء من جواب قديم، لكنه ملزوق في اتجاه رأسي. الخط واضح، لكن النص نفسه مقطوع من رسالة أطول. ومع ذلك، الجزء الباقي كفاية إنه يوضح موضوع الرسالة:
وان كان الاخ جرجس يحضر يزور الدير المقدس يجيب | الدراهم على التمام و(الكمـ؟) … | … يرسلها مع جليل وان كان يجي ولا يرسلها تاني يوم العيد | … واننا نتهاتك قدام الناس وهذا ما هو
يعني ببساطة: الشريط ده جزء من رسالة لهجتها برضوحادة شوية. المُرسِل بينبه على المُرسَل إليه إنه يضغط على واحد اسمه جرجس علشان يسدّد الفلوس اللي عليه. لو جرجس هييجي الدير، لازم يجيب الفلوس كلها معاه. ولو مش جاي، يبعتها مع واحد اسمه جليل. السطور الأخيرة المقطوعة بتلمّح إن عدم الالتزام ده ممكن يعمل فضيحة أو إحراج علني ودا شيء ميصحش أبداً
ثانياً: رسالة إلى أسقف سيناء
مثال تاني في مخطوط سيناء العربي ٢٣، وهو مخطوط للمزامير برضه. فيه رسالة كاملة تقريبًا في ورقة فاضية قرب نهاية المخطوط كاتبها راهب مجهول من الدير لواحد صاحب منصب كنسي كبير، غالبًا أسقف سيناء اللي كان مقيم في القاهرة أغلب الوقت. الرسالة مليانة شوق ومشاعر
ووصلت شيا للاب الروحاني (؟) الفاضل | المكرم المبجل الخايف من الله العامل بوصاياه و | حين قابلته وشكرت الله تعالى (صحـ؟) | فالله يرينا وجهك في خير وعافيه ولم …| امين ولا يخلينا من مشاهدتك وتسميع طيب (؟) | لاننا قد بقينا مثل الايتام وغنم بلا راعي فالله….| الاجتماع بقدسك في كرسيك امين بصلوات من أ(جل) | […..] انهي لقدسك من اجل المن فالسنه ماكان | انا مالي منه علم الى حين تاريخه وجميل ما قلت لنا (عـنه) | (غير؟) سلما ولا بعلم بان لك عندهم شي فان (حظك/حضر؟) | (الـ؟) اخليه في القلايه او في الوسط
الراهب بيحكي عن شوق الرهبان لرؤية قائدهم، وبيتكلم عن انتظار شحنة أو حاجة هتوصل، ويقول إنه لما تيجي هيحطها يا إمّا في القلاية يا في الوسط، اللي غالبًا هو المكان المركزي في الدير لتخزين الكتب أو الأغراض المهمة
الرسايل دي بتقول لنا إيه؟
الرسايل المعاد استخدامها بتكشف حياة إدارية واقتصادية نشيطة جدًا داخل الدير. التجارة، والإدارة، وحل النزاعات كانوا بيعتمدوا بشكل كبير على المكاتبات. ورغم إن السفر من وإلى سيناء كان مستمر، إلا إن الرسايل كانت وسيلة أساسية للتواصل. الرسايل كمان بتورينا مستوى عالي من القراءة والكتابة، وشبكة علاقات واسعة اجتماعيًا واقتصاديًا. وحتى في حالتها الممزقة، الرسائل دي بتحفظ لنا لمحات من الحياة اليومية، والمشاعر، والعلاقات، والضغوط المالية والإدارية
وأخيرًا، إعادة استخدام الرسائل دي بتفتح أسئلة مهمة عن الأرشفة: إمتى وليه بيقرروا التخلّي عن أرشيف معين؟ أو تعيد أرشفته بشكل مختلف؟ مين صاحب القرار دا؟ وإزاي كانت الجوابات بتتحفظ؟ وازاي كانوا بيقيّموا ويقرروا أي مستندات يحتفظوا بيها وأيها يتخلصوا منها؟
- القلاية هي حجرة أو مكان اقامة الراهب في الدير. ↩︎
