حكايات من المخطوطات العربية المسيحية
في تدوينة سابقة، شفنا شغل ناسخ دقيق جدًا من القرن التلاتاشر في دير سانت كاترين، وشفنا قد إيه كان حريص يصحّح غلطاته ، وأحيانًا كمان يعتذر عنها بشكل صريح. التدوينة دي بتكمّل في نفس الاتجاه، لكن بنظرة أوسع، وبتناقش بشكل عام إزاي نُسّاخ المخطوطات العربية المسيحية كانوا بيعبّروا عن التواضع. المخطوطات دي حفظت لنا تقاليد غنيّة ومتنوّعة للتعبيرعن التواضع، وبتبيّن إن التواضع كان جزء أساسي من هوية الناسخ وكتابة المخطوطات
في نهاية أغلب المخطوطات، بنلاقي فقرة اسمها الكولوفون، ودي بتقدّم معلومات عن عملية إنتاج المخطوطة، وأحيانًا بتدي شوية ملامح عن مستقبلها. الكولوفونات دي بتختلف جدًا في الطول والتفاصيل: أحيانًا بتكون سطر أو سطرين، وأحيانًا بتبقى سجل طويل فيه محتوى المخطوطة، وتاريخ نسخها، واسم الناسخ أو النُسّاخ، واسم مالك المخطوطة أو المموّل، ومكان النسخ، وحاجات تانية كتير
في الكولوفونات دي، النُسّاخ كانوا غالبًا بيقدّموا نفسهم بعبارات تواضع. العبارات دي ممكن نفهمها يا إمّا كنوع من الاحتياط، تحسّبًا لأي غلطات عملوها في النَسْخ وماخدوش بالهم منها، أو كتعبير عن التديّن والتقوى. في التدوينة دي، هعرض مجموعة متنوعة من التعبيرات دي: من صِيَغ تقليدية مالهاش علاقة بخطأ فعلي، لاعتذارات مكتوبة في شكل أشعار، وأحيانًا أعذار غريبة أو طريفة. وكمان إزاي التعبيرات دي كانت مرتبطة بالأسماء، والسن، والرتب الكنسية
من العادات الشائعة عند النُسّاخ إنهم يطلبوا من القارئ يسامحهم على أي سهو، وأحيانًا كمان يطلبوا منه إنه يصحّح الغلط لو لقى حاجة محتاجة تصحيح.1 وده بيخلّينا نسأل: هو النُسّاخ كانوا متوقّعين إيه من القُرّاء؟ لو كل قارئ صحّح غلطة واحدة بس، المخطوطة شكلها كان هيبقى عامل إزاي بعد كام سنة؟ هل كانوا فاكرين إن القارئ لازم يبقى أكثر علماً منهم؟ ولا كانت مجرد عبارات بلاغية للتواضع، مش دعوة حقيقية للتصحيح؟

مخطوط باريس المكتبة الوطنية الفرنسية عربي١١٣، ١٨٢ظ: الناسخ يطلب من القاريء التغاضي عن أخطائه. Source gallica.bnf.fr, ©Bibliothèque nationale de France
رغم إن ماعندناش إحصائيات دقيقة، إلا إن تصحيح القُرّاء للأخطاء بشكل مباشر كان نادر نسبيًا. في الغالب، تفاعل القُرّاء كان إبداعي أكتر: ممكن يضيفوا للنص، أو يكمّلوا جزء ناقص. في المخطوطات الكتابية والتفسيرات مثلًا، القُرّاء كانوا كتير يضيفوا قراءات مختلفة من ترجمات تانية، أو يكمّلوا عبارات ناقصة، أو يزودوا شروح وتعليقات ومعاني كلمات على الهامش. التدخّلات دي غالبًا ما كانتش لتصحيح أخطاء، قد ما كانت لإغناء النص وإضافة طبقات جديدة من الفهم. ومن هنا، دعوة الناسخ للتصحيح ممكن نفهمها أكتر كدعوة للتفاعل مع النص، مش مجرد تصحيح أخطاء. “الغلط” هنا مش دايمًا معناه خطأ، لكنه ممكن يكون نقص أو مساحة مفتوحة للإضافة
بعيدًا عن الكلمات المحفوظة والعبارات التقليدية، بعض النُسّاخ أبدعوا فعلًا في تحويل التواضع لفن. فيه مئات الأمثلة، بعضُها مبدع جدًا، وهنا هنذكر شوية أمثلة مرتبطة بالإشارات الكتابية، والإهانات الذاتية، والأسماء، والعمر
من أشهر طرق التعبير عن التواضع إن الناسخ يقدّم نفسه بسلسلة من الصفات اللي بتقلّل من شأنه زي: الخاطئ، الفقير، الكسول، البائس، المسكين، وهكذا. .الصيغ دي منتشرة لدرجة إن عدّها شبه مستحيل. وفي الحقيقة هتبقى حاجة غريبة إننا نلاقي ناسخ يذكر اسمه من غير ولا صفة من دول. لكن بعض النُسّاخ مكتفوش بالصفات دي ووصلوا لمستوى عالي من الإبداع. زي ناسخ المخطوطة اللي شبّه نفسه بالرجل اللي أخد وزنة من سيده ودفنها في الأرض، في إشارة لمثل الوزنات في الإنجيل. وآدي مثال كمان لواحد بيشبّه نفسه بالخنزير
الذي يكتب بما لا يعرف ويقرأ بما لا يعلم الذي يظن أنه حكيم وهو بلا شك خنزير
وفيه نُسّاخ استخدموا الشعر والقافية في الاعتذار، زي
فإنه بخطاياه محتار… فإن عقله كان جايلاً في الأقطار
الاعتراف بالسهو أو النسيان مكنش مقتصر بس على نُسّاخ مغمورين أو مبتدئين، بالعكس، حتى النُسّاخ المحترفين استخدموا الصيغ دي. مثال مشهور هو الناسخ القبطي في القرن الرابع عشر جرجس بن المفضّل، اللي مخطوطاته واخدة طابع المخطوطات المملوكية المعروفة بزخرفتها الفاخرة. وختم واحدة من أحسن أعماله بعبارة
على يد أضعف خلق الله علماً وعملاً

مخطوط باريس، المكتبة الوطنية الفرنسية، عربي ۱۲، ورقة ۲۹۰و: ، كولوفون جرجس ابن المفضل. Source gallica.bnf.fr, ©Bibliothèque nationale de France
التعامل مع الأسماء كمان كان وسيلة مهمّة للتعبيرعن التواضع. لما نقرا الكولوفونات بناخد انطباع ان النساخ كانوا بيتعاملوا مع الأسماء كأنها خطية وذكرها يستوجب العقاب. عشان كدا بعض النُسّاخ تجنّبوا ذكر أسمائهم تمامًا، واعتبروها لا تستحق الذكر. وغيرهم كتبوها على مضض وقالوا إن أسماءهم “لا تستحق أن تُذكر في كتاب ولا بين الناس.” وفيه ناس برّروا ذكر الاسم باحتياجهم لدعاء وصلوات القُرّاء، ونفوا أي شبهة فخر بالاسم. وفي حالات متطرفة، بعضهم شفّر اسمه، أو كتبه برموز، أو بلغة مش كتير بيستخدموها. حتى ان بعضهم كتب اسمه وبعدين شطبه
مثال ظريف على موضوع اخفاء الأسامي جاي من تعليق واحد من قُرّاء المخطوطات مش من ناسخ، وهو رئيس أساقفة طرابلس اللي زار دير سانت كاترين وسجّل وجوده في هامش مخطوطة. ورغم إنه ذكر رتبته الكنسية ومكان خدمته، إلا إنه أخفى اسمه وعرّف نفسه بس بانه فُلان خادم كرسي طرابلس والكورة

مخطوط سيناء عربي ٢٣۰، ورقة ٩٢ظ. الصورة بتصريح من دير سانت كاترين
كمان فيه صيغ تانية زي: “قس بالاسم فقط” أو “راهب بالاسم لا بالفعل”، ودي كان بيستخدمها أصحاب الرتب الكنسية، تعبيرًا عن شعورهم بعدم الاستحقاق. على أي حال المبالغات دي في إخفاء الاسم بتبيّن قد إيه كان مهم إخفاء الهوية الشخصية وازاي ان إخفاء الاسم كان مساوي لانكار الذات والتواضع
في بعض الأحيان كان الناسخ بيكتب أسباب معينة يفسر بيها ضعفه وأي اخطاء ممكن القاريء يشوفها في المخطوط وأغلبها يتعلق بالمقدرة العقلية زي المثالين دول اللي كتبهم ناسخين مختلفين
لأن الناسخ عاجز وفهمه قليل لا تؤاخذوه
لأن ناسخه عاجز وكثير الغلط والنسيان ومتعلم لا معلم
السنّ كمان دخل في التعبير عن التواضع. بعضهم قال إنه صغير جدًا، زي عبد المسيح بن يعقوب وكيل الكنيسة الارمينية في ماردين اللي اعتذر عن خطه السيء لأن عمره ٨ سنين،وأكيد طبعا كان يقصد عمره الرهباني أو مدة خدمته كوكيل مش عمره الحقيقي. وفي المقابل، ناس اعتذروا عن رداءة خطهم لسبب كبر السن، زي الناسخ القبطي جبرائيل اللي قال عن وقت كتابته للمخطوط
في زمان الشيخوخة في آخر عمرنا فلا تلومونا على عجز الخط
في النهاية نقول ان رغم إن كتير من الصيغ دي بقت تقليدية، لكنها فضلت محتفظة بقيمتها الاجتماعية والروحية. كانت بتدعو القارئ للتفاعل مع النص، وبتبرز مجهود النُسّاخ في الكتابة رغم التعب والظروف الصعبة. وفي نفس الوقت، بتكشف لنا إيه اللي كان يُعتبر أقوى مظاهر التواضع عندهم وعند مجتمعاتهم
- برجاء الرجوع إلى النص الانجليزي لمعلومات أكثرعن الأمثلة المذكورة من المخطوطات ↩︎
Keywords: Christian Arabic manuscripts, colophons, copying mistakes, scribes’ humility, scribes
English original of this blog is here
Citation Suggestion: Vevian Zaki )25 February 2026). “The Art of Being Humble: Anticipating Mistakes in Christian Arabic Manuscripts.” in Margins Speak Blog (https://vevianzaki.com/the-many-ways-of-being-humble/).
